محمد أبو زهرة

2124

زهرة التفاسير

يشعر بالعدالة في ذاتها ، ولم يشعر بالرحم الواصلة بينهما ولم يشعر بحق الحياة التي خلقها الله تعالى وأودعها كل نفس ولم يشعر بحرمة الدم ، وبأن القتل أعظم جريمة في هذا الوجود الإنسانى ، وقد أكد عزمته الآثمة ، وإصراره عليها من غير خور ولا ضعف ؛ ولذلك أكدهما أولا بالقسم المطوى في القول ، والذي تدل عليه اللام ، وهي مؤكدة أيضا بنون التوكيد الثقيلة ، وكانت المجابهة الآثمة لأخيه بذلك الخطاب المواجه ، ولم يستر نيته ، فكان التبجح السافر الذي أدى إليه الفجر في القول ، والإجرام في العمل ، والكسب الآثم . وإن هذا يدل على تصميمه على القتل ، وهذا النص الموجز يبين روح الإجرام في المجرمين الذين يريدون السوء بالأخيار في المجتمع ، وكلما زاد خير الأخيار ، أوغل المجرمون في الشر والإيذاء ، حتى أنهم ليستمرءون الشر ، كما يستطيب الأخيار حب الخير ، وإن هؤلاء آفة الجماعة الإنسانية ، ومن تظهر مآثمه منهم تحق عليه كلمة العقاب زجرا وردعا ، وتهذيبا للمجتمع وتطهيرا له ، فالذين يذهب بهم فرط رأفتهم إلى الاعتذار لهم آثمون في حق جماعتهم ، راضون بأن يعيش الشر في قلوب الآثمين . قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ تلك أول كلمة نطق بها التقى البر في مجاوبة اعتداء أخيه ، أو الجهر بنية الاعتداء ، وهي في ذاتها اعتداء ، فقد قال كلمات أربعة ، كل واحدة منها تنبئ عن إيمان مكين عميق ، وتلك هي الأولى ، وهذه الكلمة تفيد السبب في القبول ، وترشد أخاه إلى تطهير قلبه ، وإلى الاتجاه إلى ربه ، وإلى الاستشعار بخشيته ، وفي تلك الكلمات الطيبة معان كريمة . فهي أولا تفيد قصر القبول بلفظ ( إنما ) على المتقين ، والقصر نفى وإثبات ، أي أن التقوى هي سبب القبول ، فإن وجدت كان القبول ، وإن لم توجد انتفى القبول ، وتفيد ثانيا أن عدم القبول إنما يكون من نفس المتصدق ، لا من أمر خارجي فالجزاء على قدر النية ، فالتقوى دائما من القلوب .